محمد جمال الدين القاسمي
104
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
العرب لا تسفك دما ولا تغير على عدوّ في الأشهر الحرم وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب . وسنذكر . في تنبيه يأتي ، التحقيق في كون تحريم القتال فيها محكما أو منسوخا . قال الراغب : إن قيل : لم لم يقل : القتال فيه كبير ، وشرط النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرّفا نحو : سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا ؟ قيل : في ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه ، فإنّ قتال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه ، فقد قال : أحلّت لي ساعة من نهار ولم تكن تحلّ لأحد قبلي « 1 » . وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : عن دينه الموصل إلى رضوانه ، أو عن البيت الحرام ، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : سمّى الحجّ ( سبيل اللّه ) . قال الحراليّ : و ( الصدّ ) : صرف إلى ناحية بإعراض وتكرّه ، و ( السبيل ) : طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكلّ سالك منهجه . وصدّ مبتدأ . وَكُفْرٌ بِهِ أي : بالسبيل - أعني الدين - أو باللّه ، عطف عليه . وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سَبِيلِ اللَّهِ أي : وصدّ عن سبيل اللّه وعن المسجد الحرام . وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في بِهِ أي : كفر به وبالمسجد الحرام . وَإِخْراجُ أَهْلِهِ أي : أهل المسجد الحرام - وهم : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون الذين هم أولياؤه - وهو عطف على صَدٌّ أيضا مِنْهُ من المسجد الحرام ؛ وخبر الأسماء الثلاثة أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ جرما مما فعلته السرية من قتلهم إياهم في الشهر الحرام . لأنّ الإخراج فتنة وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام ، أي : فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه ، وحرمة المسجد كحرمة الشهر . . ! هذا ، وقيل : خبر صَدٌّ و كُفْرٌ محذوف لدلالة ما تقدم عليه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 39 - باب كتابة العلم . ونصه : عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة ، بقتيل منهم قتلوه . فأخبر بذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . فركب راحلته فخطب فقال : « إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي . ألا وإنها حلّت لي ساعة من نهار . ألا وإنها ساعتي هذه ، حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد . فمن قتل فهو بخير النظرين . إما أن يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل » . فجاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول الله . فقال « اكتبوا لأبي فلان » فقال رجل من قريش : إلا الإذخر يا رسول الله ، فإن نجعله في بيوتنا وقبورنا . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « إلا الإذخر ، إلا الإذخر » .